نساء العراق أية حقوق وأية حرية؟

80

في اللحظة التي وطأت قدمي ارض العراق, فان أول ما لفت انتباهي وشغل تفكيري للحظات هو ( أين هن نساء هذا البلد؟ لماذا لا نصادفهم في الشارع؟ أفليس لهم احتياجات خارج المنزل؟ ألا يردن الابتعاد عن ضجيج البيت ومسؤولياته؟ ألا يرغبن في الحصول على الراحة لوهلة من الوقت؟). وحتى النساء اللواتي أصادفهن في الطريق يكن مرتديات الحجاب, أنا وقلة من النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب نتعرض للإهانة والإساءة وحتى الاعتداء. ولو ظهرت امرأة ترفض هذا الواقع وتملك الجرأة لتواجه مثل هذه التجاوزات سواء كانت بالنظر والتفوه بكلمات القصد منها الأساة, وإذا كانت تملك الحظ لجاء احد المارة ليقول لها ” لا تردي, هذا عيب, سوف تفضحون وما إلى ذلك من الكلمات), الغاية من هذا كله هو إسكات هذا الصوت أيضا. وبعدها لا يكون هذا موضوع بحث الأفراد, ولا يتطرق المجتمع أو وسائل الأعلام إلى مثل هذه القضايا التي تمس المرأة بشكل أساسي. وعند اقترابك من العوائل شيئاً فشيئاً, ترى إن أكثر من ثلاثة أرباع النساء يجلسن في البيت ولا يمارسن عملاً خارج المنزل ناهيك عن كونهن امييات, وأصبحت هذه الظاهرة عامة, وعندما تنظر إلى الفتيات التي تتراوح أعمارهن بين 15-20 سنة تراهن يجلسن في البيت وقد تركن الدراسة أو اللواتي أكملن الدراسة, فحضهن ليس أوفر من الأولى فهن أيضا قابعات في البيت ولا يبرحنه للعمل خارج المنزل. وعند الدخول إلى منازلهم ترى إن أغلبية العوائل يجلسون بشكل ينفصل فيه الرجال عن النساء. وهذه الظواهر لم تكن موجودة بهذا الشكل في الماضي.
وبعد ذلك اسأل نفسي ,لماذا الناس ساكتون؟ لماذا لا يتكلمون؟ فيا ترى هل كلهم راضون بهذه الحياة؟ أفلا يوجد شخص ما لا يطيق هذه الأوضاع؟ الكثير من هذه الأسئلة ملأت رأسي وعقلي وأفكر فيها كثيراً.

لماذا يعيش المجتمع بشكل عام والنساء بشكل خاص في هذه الأجواء اللاانسانية؟

35 سنة من القمع, اعتقالات, إرهاب الأطفال, و النساء و الشيوخ والشباب, وملئ السجون بالمناوئين و التحرريين, و استخدام أكثر وسائل التعذيب وحشية بحقهم. وفرض قوانين الأحوال الشخصية و هي اكثر عداءً للإنسان وضد المساواة بين المرأة و الرجل, وليس هذا فحسب وإنما يدعم الرجال ويدفعهم لقتل امهاتهم, اخواتهم, زوجاتهم وبنات أعمامهم دون تردد أو خوف, في حال خروجهن عن سيطرتهم, حيث يقال لهم ( إذا لم تفعلوا هذا فانتم لا تملكون الشرف ولا تستحقون الاحترام ). وكذلك فرض الحملة الإيمانية على المجتمع وإحياء وفرض القوانين والأعراف البالية والخرافات الإسلامية المتهرئة. بالإضافة إلى إبقاء الجماهير في أعلى درجات الفقر جراء الحصار الاقتصادي… .الخ.

ان إشعال وفرض الحرب الأخيرة هي تكملة لمسلسل الماَسي وانعدام الحقوق وسلب إرادة الجماهير, وإبراز الصراعات القومية والدينية والطائفية والتمييز الجنسي التي فرضها و طبقها النظام البعثي الفاشي.
إن هذه الأوضاع المأساوية زرعت الخوف في قلوب الجماهير وجعلتهم مسلوبي الإرادة ولا يمتلكون حق اتخاذ القرار في حياتهم وتقرير مصيرهم. وحولت المواطن إلى إنسان آلي يتلقى التعليمات وينفذها. فإذا كان هذا هو وضع المجتمع عامة, فأي وضع للنساء يكون؟!

ماذا يفعل مجلس الحكم و مؤسسات السلطة في هذا الوسط؟!
في بداية فرض الحرب على العراق ادعت أمريكا بأنها سوف تجلب الحرية والديمقراطية للجماهير, ولكن ما حدث كان العكس تماماً حيث فتح الباب على مصراعيه للجماعات الإرهابية والإسلام السياسي.
أما الآن فان النساء وفوق كل ماَسيهن و (اللواتي كانوا بانتظار يوم الخلاص منها), فبدل ذلك أصبحن الآن منشغلات بين الحين والاخر في مواجهة قرارات مجلس الحكم المناهضة لحقوق النساء, وتنظيم صفوفهن لهذه المواجهة, وهذا أيضا ما يضعف قدراتهن وقواهن للحصول على حقوقهن المسلوبة, و تحقيق المساواة في المجتمع.
فقد كانت أول هدية قدمها مجلس الحكم للنساء هو إبدال يوم 8 آذار الى 18 آب وهو يوم ولادة فاطمة الزهراء. وقد كانت القوانين و القرارات التي فرضها النظام البعثي الفاشي على النساء, في نظر رجالات مجلس الحكم مثل (سلب حق اختيار الشريك أو حق الانفصال أو شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد, وقتلهن في حالة عدم أطاعتهن لهذه القوانين القرقوشية) قد أعطت مزيداً من الحرية للنساء, فإضافة إلى هذا يريدون طلاء زجاج نوافذ منازلهن ودفنهن وهن إحياء وفق قرار 137 السيئ الصيت.
إضافة إلى كل ذلك هو اصدارهم لقرار رقم 3 في 7/1/2004, والذي نص على حل كافة الاتحادات والمنظمات النسوية والجماهيرية, وهذا بعض هدايا مجلس الحكم للنساء.
ولكن مقابل كل هذا بادرت الحركات الراديكالية و المساواتية وبقيادة منظمة حرية المراة في العراق وعدد من المنظمات, ونزول الجماهير إلى الشارع قد فرض تراجعاً حقيقياً على مجلس الحكم.

بعد هذا كله نأتي إلى البحث في الدستور العراقي ونسبة مشاركة المرأة فيه. فقد اقرً المجلس المذكور على إشراك النساء بنسبة 25% في الحكم, وهذا صار موضوع حديث الشارع العراقي. والسؤال هنا هل نسبة تمثيل النساء في مجلس الحكم هو الذي يعطي حقوقهن, أم مضمون الدستور وقوانينه وقراراته؟
ان تحديد النسبة منذ البداية يعني إعاقة اشتراك المرأة في الأمور السياسية وإبعادها عن تبوء المراكز القيادية في السلطة. صحيح إن زيادة نسبة مشاركة النساء في الأمور السياسية يعني تحقيق مطاليب مساواتية أكثر, ولكن الحديث عن نسبة التمثيل بحد ذاته ليس صحيحاً وهذا ينطبق على المجتمع بأكمله والنساء بشكل اخص. حيث إن الفوز بالانتخابات مرتبط بكفاءة الفرد من طرف وتحسين وضع المرأة لدفعها للمشاركة في القضايا السياسية من طرف آخر.
ماهو التغير الذي أحدثوه في الدستور لصالح المرأة؟ فلحد الآن اعتبر الدين الإسلامي احد المصادر الأساسية في التشريع. فان دل هذا على شئ فانه يدل على استمرار انتهاك حقوق المرأة سواء من الناحية القانونية أو الاجتماعية وهذا يعني عدم حدوث أي تغيير في قوانين الأحوال الشخصية.

ماهو دور المنظمات النسوية والمدافعة عن حقوقهن في هذه الأوضاع؟
بالتأكيد إن المنظمات النسوية كجزء من المجتمع تقع تحت تأثير الأوضاع المفروضة على الجماهير, حيث إن ما نلاحظه في هذه المنظمات إنها مسلوبة الإرادة, ولا يملكون حق اتخاذ القرار وليس لديهم علم وإطلاع بحقوقهم ومطالبهم بشكل كاف. ناهيك عن قلة تجربتهم في مجال العمل الجماهيري. ولكن الحديث هنا هو عن تلك المنظمات الراديكالية، وإذا وجدت منظمة تعمل تحت عنوان منظمة نسوية أو مدافعة عن حقوق الإنسان, فإنها بالرغم من فقدان الأمن, تردي الأوضاع داخل المجتمع, والفوضى وعدم الاستقرار, نقول بالرغم من هذا عليهم العمل لتوعية النساء بحقوقهن الفردية والمدنية, وتتطلب منهم الجرأة للوقوف ضد القرارات والقوانين المكتوبة وغير المكتوبة سواء من قبل السلطة أو المجتمع. وعليها إن تقود تلك الحركة لتحقيق مطاليب النساء.
بالتاكيد إن عدم تدخل النساء والحركة المساواتية في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية, والسياسية على وجه الخصوص في هذه المرحلة الحساسة في حياة المجتمع, ناهيك عن التدخل في صياغة وتنظيم الدستور والسلطة السياسية, وتثبيت مكانتها فيه، نقول بالتأكيد إن هذا سوف لن يؤدي إلى بقاء النساء بشكل خاص والمجتمع عامة بهذا الوضع السيئ, بل يؤدي إلى فرض قوانين أكثر وحشية عليهم. وكل هذا يعني إن إعاقة نصف المجتمع بهذا الشكل سوف يعيق النصف الآخر من المضي قدماً لبناء مجتمع خال من القهر والاضطهاد.

دور منظمة حرية المراة في هذا الأوضاع؟
بعد فتح مراكز لمنظمة حرية المراة في بغداد وكركوك والسليمانية, بدأت فعالياتها بشكل واضح وفعال, والعمل الأساسي للمنظمة هو جلب النساء للساحة في سبيل اكتساب حقوقهن الفردية والمدنية, وكذلك لإيصال صوت المراة ومعاناتها إلى الرأي العام العالمي وتنظيم وكسب التضامن العالمي لهذه الحركة, وبشكل مباشر مساعدة وإيواء النساء اللواتي يعانين من مشاكل اجتماعية قد تصل الى حد التهديد بالقتل, وتواجه المنظمة بكل جرأة كل القرارات التي صدرت ضد النساء وحقوقهم اللاانسانية, وتعمل جاهدة على إجهاضها.

8 آذار هي إحدى النشاطات البارزة للمنظمة,
في بغداد, قامت المنظمة بتنظيم تظاهرة ضمت أكثر من ألف امرأة نزلن للشارع للمطالبة بحقوقهن والدفاع عنها.
أما في كركوك وان لها ميزة خاصة بسبب التركيبة السكانية حيث تعدد القوميات والمذاهب, فعملت المنظمة على تنظيم النساء حولها بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني وابراز الهوية الإنسانية لكافة القاطنين فيها في الوقت الذي تنشغل فيه الأحزاب القومية والدينية في إثارة النعرات القومية والدينية ودفع منظماتهم الجماهيرية في هذا الاتجاه, حيث إنهم يعتاشون على هذه الصراعات.

في 8 آذار قمنا بتوجيه نداء إلى كافة الجهات والمنظمات كان مضمونه انه على الرغم من الاختلافات السياسية لحل مشكلة المراة إلا إننا نستطيع العمل المشترك في النقاط التي يوجد اتفاق حولها والتي توجه نضالهم.
وقد قمنا في مدينة كركوك بتنظيم احتفالية لمدة ثلاثة أيام وبدعوة كافة المنظمات النسوية والمدافعة عن حقوق الإنسان. وهذه النشاطات جلبت أنظار المجتمع والأعلام لإعطاء هذه القضية أهمية اكبر وبشكل اصح وواقعي. واهم الفقرات التي تم الاتفاق عليها من قبل 18 جهة ومنظمة هي:
إلغاء قوانين الأحوال الشخصية ووضع قانون المساواة عوضاً عنها.
وفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم, واعتبار الدين أمر شخصي وفردي في المجتمع وجعل 8من آذار هو يوم المرأة في العراق, وإبطال قرار النظام البائد وقرار مجلس الحكم الانتقالي في تحديد يوم المرأة.
ومنع العنف والإرهاب بصورة عامة وضد المرأة بصورة خاصة.

هلالة رافع
14 آذار 2004
halalarafi@hotmail.com