شابة عراقية تقضي معظم سنواتها في السويد متخفية!

25

جوان، شابة عراقية وصلت السويد قبل أربعة أعوام، الا أنها تعيش متخفية، بعنوان سري في أحدى دور النساء المعنفات منذ ثلاثة أعوام، أعتادت خلالها مشاعر القلق والتهديد والأنتظار المؤلمة في النهاية التي تنتظرها. فبين تهديد الزوج، المقيم في السويد بقتلها وبين غضب عائلتها في العراق، التي تمكن زوجها من أقناعها بأن أبنتهم تخونه، تتلظى جوان بين نارين، أبردهما قاتل.

قصة جوان واحدة من العديد من القصص التي تصل مركز «نينا» في العاصمة السويدية ستوكهولم، لدعم وارشاد وحماية النساء المعنفات في السويد. حيث يقوم بنشرها على موقعه الخاص، ربما لتشجيع النساء المعنفات على وضع حد لمعاناتهن، والأبلاغ عن ما يتعرضن له من عنف، ولبيان أمكانية المركز في تقديم المساعدات اللازمة في هذا الجانب.
هل يمكن ان تنحدر أنسانية الفرد الى درجة يتهم بها الزوج زوجته بالخيانة، فقط لأنها أعلنت رفضها للضرب والأهانة والتهديد، التي تتلقاها منه، رغم يقينه ان ذلك قد تصل عقوبته الموت في مجتمعاتنا الناشئة؟

تقول جوان «يشكل زوجي تهديداً حقيقياً لي بالموت، فأنا اتصوره يحوم حولي في جميع الأوقات». وتثير تساؤلاً منطقياً حول «من سيصدق في بلدي انني اعيش في السويد منذ أربعة أعوام، ثلاثة منها قضيتها متخفية؟».

العنف، مسخ بلا هوية!
هل يمكن ان يغدو العنف، وسيلة من وسائل التعبير عن مشاعر سلبية تجتاح الفرد ونحن في القرن الواحد والعشرين؟
يقول زيد رمضان الاخصائي في علم النفس ان العنف، لا جنس ولا هوية له، كما أنه امر مرتبط بالأنسان ووعيه والتربية التي نشأ عليها، لذلك لا يمكن أعتبار «العنف» امراً مقتصراً على الشرق دون الغرب او على الرجل دون المرأة.
وفي حديث لـ «الصباح الجديد»، يوضح رمضان حديثه، بأن العنف في بعض الأحيان، قد يكون منشأه الأفكار السلبية والعدائية التي يكتسبها الفرد من محيطه ولم ينجح في تشتيتها او محوها، او قد يكون ذلك، كرد فعل على حوادث مزعجة ومثير للحزن قد يمر بها أغلبنا، لكن لا يفلح الكثير في الأفلات من تأثيراتها.
ويشخص رمضان، نقطة مهمة ممكن لها ان تضع حداً للعنف بل وتمنع حصوله في الكثير من المرات، اذ يقول أن «القانون، هو السلاح الأقوى لحماية الأنسان من بطش الأنسان، أياً كان جنسه، وأياً كانت الرقعة الجغرافية التي ينتمي اليها او التي يعيش فيها»، لافتاً الى ان القانون، أفضل سلاح مدني، يمكن أستخدامه في تربية المجتمعات وتوعيتها على أسس مدنية سليمة.

ومن هذا المنطلق، يوضح رمضان انه ورغم عدم وجود احصائيات دقيقة، تكشف عن فيما اذا كان العنف في الشرق أكثر منه في الغرب، لكن يمكن التأكيد على أن «العنف، هو احد وسائل التربية المستخدمة في مجتمعاتنا الشرقية، ابتداءً من الطفولة، حيث ينشأ عليها الطفل في البيت والمدرسة والمجتمع، بأستثناءات قليلة جدا، تكاد لا تشكل فارقاً في النهج العام»، فمشاهد مثل ضرب المعلم لتلاميذه وضرب الزوج لزوجته امام مرأى الأطفال، وأعتبار النساء، النقطة الأضعف في المجتمعات، كل ذلك يساعد في تقوية مفهوم تسلط وأستبداد القوي (وهنا الرجل) على الضعيف (وهي المرأة)، يزيد الامر سؤءاً، عدم وجود قوانين، حازمة وفعالة، تردع الشخص العنيف، وتوقفه عند حده، وهذا هو الفيصل بين الشرق والغرب.

عنف منذ أول أسبوع لها في السويد!
تتابع جوان قصتها، قائلة «منذ الأسبوع الأول الذي وصلت فيه الى السويد، أساء زوجي معاملتي وضربني، وفي احدى المرات كُسر أنفي نتيجة الضرب المبرح الذي تلقيته».
وتوضح جوان انها جاءت الى السويد لكي تعيش كغيرها من المتزوجات، حياة أقل ما يمكن أن يُنتظر منها أن تكون مريحة، لكن ما عاشته حتى الآن كان الأصعب الذي تتعرض له في حياتها من حيث العنف الذي تتعرض له، والوحدة التي تعاني منها، وافتقارها الى وجود مقربين لها يساعدوها في محنتها، والأفظع انها لا تستطيع العيش بعلنية، حالها حال البقية!
تصف جوان حياتها بـ «التراجيديا»، اذ تقول انها بقيت مخطوبة للشخص الذي تزوجت منه أربعة أعوام، وأنتظرته حتى يأتي ويأخذها الى السويد، لكنها توضح أنها منذ البداية لم تكن راضية من زواجها، الا أن أعجاب الأهل به، وضغطهم عليها، أجبراها على الزواج به، لكنها في قرارة نفسها كانت مدركة انها لن تنعم بحياة سعيدة من مثل هكذا زواج.

تتذكر جوان الأشهر الأولى من حياتها مع الشخص الذي ارتبطت به، اذ تقول «عانيت من صعوبات كثيرة في الأشهر الأولى من زواجي منه، كنت أتنفس بصعوبة وأشعر بالغثيان بشكل مستمر، لما تعرضت له من تجريج وتهديد وضرب، بل أنه وفي مرات كثيرة، كان يرميني خارج المنزل، بالملابس التي أرتديها، وهو يعرف تمام المعرفة ان لا أهل او أقارب لي في المدينة التي أعيش فيها».

يعلق الأخصائي في علم النفس زيد رمضان على حديث جوان، قائلاً ان «أرغام الفتاة على الزواج بالشخص غير المناسب لها، هو من أكثر الأمور التي قد تجعل الحياة بين الزوجين، قابلة للعنف، خاصة اذا كانت الفتاة، ستعيش في الغربة، بعيدا عن مجتمعها من الأهل والمقربين اليها، الذين يمكن ان يمدوا لها يد العون عند الحاجة».

زواج بلا أمل!
وتتابع جوان تفاصيل قصتها المؤلمة، موضحة أنها في البداية لم تبلغ عن زوجها، رغم العنف الذي كانت تتعرض له، لانها كانت تأمل في ان وضعهما قد يتحسن مع الوقت، حتى انها لم تفكر في الأبلاغ عنه عندما كسر انفها، لكن ما حصل ان المترجم الذي ترجم الحوار بينها وبين الطبيب المعالج، لاحظ التوتر الذي بدت عليه جوان، لذلك نصحها بالحديث في حال لديها ما تقوله، لأن المرة القادمة، قد يسؤء الأمر أكثر، عندها بدأت جوان، بسرد قصتها للطبيب وحقيقة ما حصل لأنفها.
وجرت العادة في المستشفيات والمراكز الصحية في السويد، ان يجري سؤال الشخص المشتبه بتعرضه الى سوء معاملة وعنف من قبل الطبيب او المعالج الذي يتولى عمليه تطبيبه ومعالجته، بل ان ذلك يعتبر لزاماً على الكادر الطبي في حال لاحظ ذلك والأبلاغ عنه لدى الشرطة.
تقول جوان أن زوجها، قام في احد الأيام، وبعد وقت قصير من كسره لأنفها، برميها خارج المنزل مع القليل من الحاجيات التي جمعها بنفسه ورماها معها خارجاُ! رغم انه لم يكن لديها احد للجؤء اليه، ما اضطرها الى الاتصال بأقارب لها، يسكنون مدينة اخرى غير المدينة التي تقيم فيها، شارحة لهم ما حدث لها، حيث جاءوا اليها واصطحبوها معهم.

ويبدو ان الأمر لدى زوج جوان لم يتوقف بطردها، بل انه حاول تعبئة أهلها ضدها، وأقناعهم بأن أبنتهم كانت تخونه وأن لديها علاقات مع رجال آخرين وانها قامت بسرقته! ما وضع جوان في وضع صعب جداً، فها هي قد طردت من منزل الزوجية وليس لديها الحق في الأقامة بالبلد، كونها لم تكمل العامين من زواجها ولا هي بالقادرة على الرجوع الى عائلتها في موطنها بعد الأفتراءات التي أقنع زوجها عائلتها بها، والتي قد تواجهها بسبب الموت.

ووفقاً للقوانين السويدية، فأن المرأة الى تصل الى السويد بعد زواجها عن طريق لمّ الشمل ، تحصل على أقامة مؤقتة لمدة عامين، بعدها تمدد لأقامة دائمية، غير أن ذلك أيضا، يختلف من شخص لأخر، وفقاً للقصة التي يتقدم بها او الوضع الأجتماعي الذي هو عليه. وما يحصل ان عدد لا بأس به من الأزواج، يحاول اخضاع زوجاتهن، وتسليط العنف ضدهن خلال هذين العامين، لمعرفتهم ان غالبية الزوجات قد يسكتن عن ذلك في انتظار مرور العامين في سبيل ضمان حصولهن على الأقامة الدائمة في السويد، خاصة ان الرجوع الى كنف العائلة والمجتمع الأصلي لهن، لن يكون في أغلب الحالات، أفضل من الوضع الذي يعشهن مع مثل هكذا أزواج.
وما زاد في المعضلة التي تمر بها جوان، انها بقت متزوجة لعام واحد فقط، وهي المدة التي لا تخولها الحصول على الاقامة الدائمية في السويد، ما يعني ان على دائرة الهجرة ارجاعها الى بلدها، لكنها في هذه الحال، ستواجه ايضا عقوبة الموت بعد الاكاذيب التي روّجها زوجها السابق عنها لدى عائلتها.

تقول جوان ان جواز السفر وجميع الصور والأوراق والمستمسكات والمعاملات التي تثبت هويتها ومن أنها تزوجت في كردستان العراق وانها جاءت الى السويد بعد زواجها، بقيت في المنزل بعد أن قام زوجها بطردها منه، حيث لم يمنحها الفرصة في أخذ حاجياتها بالكامل، وأن دائرة الهجرة السويدية، تطالبها الأن بتلك الأوراق بعد طلاقها من زوجها، للنظر في قضيتها من جديد.

مركز نينا
27 Feb 2013

print